عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
105
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
للغير إلا برضى ربّها ، إمّا نطقا وإما بعلمه بطيب نفسه بذلك ، إلا إذا خاف خروج الوقت ، وقوله عليه السلام : « جعلت لي الأرض مسجدا » عامّ يتخصّص بما ذكرناه ، لأن الأصل منع تصرّف الإنسان في غير ملكه إلّا بإذن ؛ ويدل على هذا ما تقدّم عن قرب عن أبي محمد بن التبان أنه لا يصلّي في أرض مغصوبة إلا إذا خاف خروج الوقت ولا إعادة عليه حينئذ ، ولما ورد شيخنا أبو يوسف يعقوب بن يوسف الزعبي من تونس وكان قاضي الأنكحة بها حينئذ إلى القيروان وزرنا معه قبر الشيخ أبي زمعة صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأخذ في الرجوع للبلد شقّ بنا خرائب في ربضها ، فأردت الرجوع عنه ، وتوهم الاعتراض عليه مني وكنا جماعة ، فقال : أهذا جائز أم لا ؟ فقلت : الصواب أنه لا يجوز ، وهذا المكان الذي أنت به الآن مار به دار جدي ناجي رحمه اللّه تعالى ، فأنا وإن رضيت بمرورك ومرور أصحابنا وأمثالهم فلا أرضاه من غيرهم ، لأنها تصير طريقا وقد شاهدت شيخنا أبا محمد عبد اللّه الشبيبي بالقيروان إذا مرّ بالمكان الفلاني منها وعينته له ، لا يمشي منه لمراده لأنّه مملوك للغير وقد اتخذه الناس طريقا ويدور من مكان أبعد من ذلك ، وذلك يدل على أنه لا يجوز عنده فقال لي ما ذكرته عنه صحيح ، وكنت أراه يفعل ذلك ولكن الصواب جواز ذلك مشي أبي سعيد ابن أخي هشام في فحوص صبرة وصلّى بها وأشار إلى هذا وأجبته بما تقدم إلّا ما ذكرته عن ابن التّبّان ، فإني كنت لم أقف عليه فتحصل في جواز الصلاة في الأرض المغصوبة قولان ؛ أحدهما جواز ذلك قاله أبو سعيد ابن أخي هشام وأبو بكر بن عبد الرحمن . والثاني عدم جوازه إلا مع خوفه خروج الوقت قاله أبو محمد بن التبان وبه أقول وكذلك القولان في جواز المرور فيها فلازم قول ابن التبان أنّه لا يجوز إلا من ضرورة وهو الّذي اخترناه ، وفعل أبي سعيد وهو مشيه فيها يقتضي الجواز ، لأنه لم يذكر أنه لم يجد طريقا ، وهو الذي فهم منه شيخنا أبو يوسف يعقوب وعمل عليه ، وفعل شيخنا أبي محمد الشبيبي ظاهر في الأول ، إلا أن يكون منه على جهة الورع ، والأصل خلافه . قلت : قال الشيخ أبو محمد عبد اللّه بن أبي زيد : كان بين أبي سعيد ابن أخي هشام وأخيه مشاجرة في ربع « 1 » فرفعه إلى النّعمان قاضي القيروان للبيع « 2 » ، فأخبر
--> ( 1 ) الرّبع - الإبل . ويطلق الربع على الدار وما حولها ، وعلى المكان أيضا . ( 2 ) في ترتيب المدارك - للشيعة 4 / 490 .